خصلات من شَعر  مي زيادة ، قراءة في سيرة مي زيادة - استكتب

خصلات من شَعر  مي زيادة ، قراءة في سيرة مي زيادة

سيرة مي زيادة

قراءة في سيرة مي زيادة

ماري إلياس زيادة(1941-1886)،أو “مي زيادة “، أو الذات القلقة والحائرة بين مسميات عديدة تبعا للأحوال والظروف. وقبل ذلك قلب موزع بين بلدان شتى، ينتسب إليها دون أن يستشعر معنى الوطن، وينافح عنه كما يفعل كل كتاب العالم!

مي زيادة في طليعة الأديبات العربيات اللواتي مهرن حضورهن المبكر في الساحة الأدبية، وحررن فعل الكتابة من قبضة القلم الذكوري الذي اختار دوماً الكتابة عنهن أو إليهن، دون التفكير في منحهن حق تلطيخ ثيابهن بالحبر وألوان الصباغة! وهي في الآن ذاته تعبير عن النبوغ المبكر والإصرار على تحقيق الندية في عالم الكتابة، وتصفح نفس المرأة فيما تصف به ذاتها وليس فيما يرويه عنها الكاتبون كما أوردت في إحدى مقالاتها. ورغم أن عدداً من الكتّاب انبروا لتوثيق أعمالها، ودراسة إنتاجها الأدبي والفكري بغية تكريمها على نحو لائق، إلا أن التعاطف مع “مي” خاصة بعد محنتها الشهيرة حين اتهمت بالجنون، وتم الحجر عليها ووضعها في مستشفى للأمراض العقلية، أضفى على هذه الكتابات سمة المرافعة وبيان الإدانة للظروف والأحوال، وثلة الأدباء الذين فتنهم حضورها الآسر وتحررها على غير ما ألفوه في عادات الشرق، فغاب التقييم الأدبي والاشتغال النقدي على ما خطته أناملها في مجالات أدبية متنوعة من قصة وخاطرة وشعر ومقالة ورسائل وترجمات وغيرها، ليحل محله الثناء على حضورها الآسر ورقتها، وكونها ظاهرة ثقافية بامتياز في ذلك العصر.

إن التجربة الأدبية لمي زيادة تتيح إقامة حوار من نوع خاص مع قلم أبى الانصياع للتمييز الثقافي والاجتماعي، ودافع عن النشاط الإبداعي للمرأة وحقها في تطوير أفقها النظري والجمالي أمام الهيمنة الإيديولوجية الذكورية. ورغم أن لهذه التجربة محطات عديدة أهلت مي للتموقع خارج ” النص” إلا أن ثلاثا منها هي الأبرز برأيي في إضفاء الخصوصية على كتابات مي، حتى داخل ما اصطلح عليه بالأدب النسائي. هذه المحطات هي: مدارس الراهبات، والصالون الأدبي، وعلاقتها المتفردة بجبران خليل جبران!

مي زيادة في مدارس الراهبات

 في مدارس الراهبات التي استوعبت طفولة مي تولد ذاك التبتل العميق الموسوم بالحزن الطاغي والقلق المستمر، والتماس السعادة فيما وراء الحجب. وترسخ في كيانها الهش ألم الوحدة والفراق الذي لازمها حتى فارقت الحياة. فما من سطر في خواطر مي ورسائلها إلا وتتردد بين ثنايا مفرداته وصوره التعبيرية نغمة الحزن. لذا ليس من المغالاة القول بأن أجواء الدير وحزم الراهبات قد حفرا أخاديد عميقة في التكوين النفسي، وخلفا ميولات سوداوية أفصحت عنها مي في سنوات مبكرة من تجربتها الأدبية. تقول في (السوانح)1:

” عجوز، أنا أتراني أصل إلى ذلك العمر ؟ وكيف يكون المرء عجوزا ؟ كيف يشعر عندئذ ؟ وكيف يفكر ؟ يُخيل إليّ أني سأرحل قبل ذلك، وأن الموت سيحملني غضة الشباب فيطير بي إلى حيث تسبح الملائكة، وتنبت الأزهار ناضرة. أشتاق إلى الموت في هذه الأيام، ذلك لأني لا أفهم الحياة التي يقول مرشدنا الروحي إنها (مشكلة المشكلات).. ” .

” وانتشر شذا البخور في فضاء المعبد؟ عندئذ جثوت على سريري وطلبت الموت لا جبنا ولا ضعفا، بل شوقاً إلى السماء الزرقاء حيث الطهر والنقاوة والجمال والكمال ..إلهي، إلهي ! متى أصير فاضلة وأحتمل صابرة كتوما ؟ كم ذا أغبط معلماتي! فبينهن من تثير إعجابي ولا سيما ن.و . ولا شك  أنها جاهدت كثيرا للتغلب على نفسها ..”

 ملاذ مي الوحيد في فضاء الدير كان المنجز الأدبي للحركة الرومانسية التي أولت عناية مميزة للشغف العميق بالطبيعة، وتأثيراتها الروحية على الحياة. فقرأت لألفريد دي موسيه، ولامارتين، وجورج صاند، ومدام دوستايل، وفيكتور هوغو وغيرهم. وساعدها نبوغها المبكر وانفتاحها على الثقافة الأوربية للقيام بخطوة أدبية جريئة، تمثلت في ترجمة (الحب الألماني) للروائي الشهير فريدريخ ماكس مولر، لكن تحت عنوان يجلله غشاء الحزن والكآبة الذي لم يفارقها وهو (ابتسامات ودموع). لنستمع إلى مي وهي تعقب على أديب تساءل : أهي ناقلة ماكس مولر إلى العربية أم هو ناقلها إلى الألمانية؟

” في هذه الكلمة التي تخال تملقا للوهلة الأولى، حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني، الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير، ليس عما يشعر به هو الكاتب، بل عما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب (ابتسامات ودموع) من هذا القبيل آية سحر وبراعة، لا يقصر على الوصف، بل هو مهبط الوحي للنفوس الحساسة” (2).

بعد انتقالها إلى مصر ستنخرط مي في الحراك الأدبي والفكري، وسينفتح وعيها على بوادر الحركة النسائية لتنخرط في هموم المرأة الشرقية وشواغلها مؤجلة حديث الألم والوحدة والهموم إلى حين!

مي زيادة في الصالون الأدبي

مرحلة الصالون الأدبي الذي استمر لما يناهز عقدين، هي مرحلة فارقة في حياة مي، وتجربة حفزت ملكتها وثورت إمكانياتها وطاقاتها الإبداعية لتخلق حيزها الخاص وسط عمالقة الفكر والأدب من رواد صالون الثلاثاء الشهير. لم تكن الفكرة بحد ذاتها مبدعة لأن للصالون الأدبي جذورا تمتد في التاريخ حتى العصر الجاهلي، لكن شخصية مي المتفردة، واحتفاءها بأنوثة ممزوجة بكبرياء الأدب، إضافة إلى تزامن انتقالها لمصر مع التشكلات الأولى للحركة النسائية. كل تلك العوامل أثمرت نجاحا لصالون مي لم يُقيض لمثله أن يحظى به، يقول الدكتور محمد خالد غازي: ” في أيام الثلاثاء كان يزدحم الصالون، فتُناقش الكتب الجديدة والقصائد الحديثة والحملات الصحفية. وكان أنطون الجميل أفوه خطباء الشباب يحلل قضايا الساعة.. وتندمج مي في شتى الأحاديث بما توحيه روحها الوثابة من الأفكار المبتكرة.. فتصفق لها وتمدحها تلك الجوقة ومنها أولئك الذين حملوا لمصر صولجان الأدب، فأبصرت مي بهؤلاء الرجال الذين كرموها أملا كبيرا لمستقبل المرأة الشرقية المضمون في حياتها الاجتماعية ومؤازرتها للرجل.” (3) ولم يكن من اليسير أن تجتمع قامات أدبية وفكرية وسياسية كالعقاد وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي وطه حسين والرافعي لولا خصائص ذاتية امتازت بها مي، وفي مقدمتها الحنكة البالغة في التأليف بين أمزجة وتيارات وآراء متباينة حد الخصومة في مجلس واحد، مما أتاح لصالونها أن يستمر قرابة خمس وعشرين سنة!

ورغم أن “رجال الصالونات”، كما أسماهم إبراهيم المازني، كانوا يسرفون في التودد إليها ومجاملتها على نحو أفضى لنسج قصص حب عديدة، إلا أن مي زيادة، وبغير قليل من الجهد والمثابرة، تمكنت من تسخير كل هذا الإعجاب لرصف ممرها الخاص إلى المجد الأدبي، ولعل أهم ما أنتجته في هذه الفترة هو الدراسات الأدبية والنقدية التي همت تشكيلة من رائدات اليقظة النسوية كعائشة تيمور وباحثة البادية ووردة اليازجي وغيرهن. وما يلحظه المتصفح لهذه الأعمال هو حرص مي الشديد على توجيه بوادر الحركة النسوية الإصلاحية لتكون دعوة للتحرر من ظلم المجتمع دون أن يفضي الأمر إلى انفلات أو تقليد ممجوج للغرب :

” في مصر تشتعل شرارة الحياة وإلا فماذا يعني وقوفي بينكم أيها السادة، وماذا يعني سكوتكم الجميل المملوء إصغاء تاما وتشجيعا قويا وتفكيرا عميقا؟ أتكلم الآن بحرقة كأني صوت المرأة الصامت منذ أجيال، وتستمعون إليّ بإشفاق كأنكم نفس الرجل المشتتة منذ ابتداء الدهور. النفس الكبيرة المبعثرة تستجمع قواها للإصغاء، و الصوت الخافت الذي لم يتعود إلا همس الطاعة وتمتمة التمرد المبهم يرتفع الآن آتياً من بعيد، من عمق أعماق الدهور السوداء، من أقصى أقاصي الخليقة العجيبة، آتيا من القبور، من البحار، من عناصر الحياة جميعا صارخا:

 أيها الرجل! لقد أذللتني فكنت ذليلا. حررني لتكون حراً، حررني لتحرر الإنسانية !” (4)

اضطر الموت بعض رواد الصالون للكفّ عن حضوره، وانفضت عنه البقية في ظل تغيرات اجتماعية عميقة أفرزت بدائل أخرى كالمقاهي، وضجّت الشوارع والجامعات بالفتيات فلم يعد للمرأة ألق الحضور في المشهد العام. كل هذه العوامل وضعت حدّاً للمحطة الثانية في تجربة مي بعد أن بذلت زهرة شبابها في السعي لإثبات الذات وتحقيق المكانة الأدبية، لتبدأ فصلاً جديداً من سيرة المحن والنكبات، لا يصحبها خلاله سوى قلم أودعته همومها وأناتها.

مي زيادة وجبران .. أو الحب العابر للمحيطات!

لا شك أنها أغرب قصة حب على الإطلاق، أعني تلك العلاقة المتوترة والمتفردة التي جمعت بين مي زيادة وجبران خليل جبران، واستمرت تسعة عشر عاما تتقلب بين جمر الرسائل، دون أن يعزم أحدهما الأمر ويطوي المسافات للقاء محبوبه وإخماد لهيب الشوق! تجربة عجيبة وحّدت بين صوتين أدبيين بالغي الذاتية و الشجن، فخلدت رسائل طافحة بالمشاعر الإنسانية العميقة.

ما من دارس لتجربة مي الأدبية إلا وتوقف عند علاقتها بجبران خليل جبران توقفاً مثيراً، سعى من خلاله إلى تأكيد حبّ متبادل بين الطرفين أو إنكاره. فمن توقف عند قراءة تحليلية للرسائل المتبادلة بينهما أكّد وجود مشاعر فياضة وأحاسيس ملتهبة تكشف عنها عبارات صريحة لا تحتمل أيّ تأويل. ومن توقّف عند العلاقات الغراميّة لجبران بنساء أخريات، وحضور مي الزائد عن اللزوم في كتابات بعض رواد صالونها كالعقاد والرافعي وولي الدين يكن ينفي وجود علاقة حب، وأن ما حوته الرسائل لم يكن سوى محاورات ممتعة بين قلمين بالغي الحساسية والكشف المتّقد عما تختلج به كل نفس إنسانية! لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو عن دور جبران في توجيه المسار الإبداعي لمي، وحفز ملكاتها الأدبية لتنطلق أبعد مما كانت تسمح به ظروف المشرق آنذاك!

لما أنهت مي زيادة قراءة قصة (مرتا البانية ) لجبران عام 1912 كتبت إليه خطاباً تنتقد فيه القصّة، وتحدّثه عن نشاطها الأدبي وعن ديوانها ( أزاهير حلم) الذي كتبته بالفرنسية. ولم تكن على ثقة بأن جبران، وهو الأديب المشهور، سيحفل برسالة قلم ناشئ، إلا أنّها فوجئت بخطاب يشجّعها فيه على مراسلته ويرفقه بنسخة مهداة من روايته الجديدة ( الأجنحة المتكسرة). تلك كانت بداية التقارب بين قلمين وحدتهما الرغبة في الانطلاق والتحرر من قيود المجتمع وإن اختلفا في الدرجة. فروح جبران متوثبة وقلمه يحطم كل الأغلال، أما روح مي فتقيم اعتباراً للواجب، وتتمرد لكن دون أن تتخلص من ثوب الراهبة! بيد أن هذه المحاورات الطريفة التي دامت عقدين من الزمن لم تقف عند حدود البوح والمكاشفة وسرد تفاصيل المعيش اليومي بقدر ما انطوت على تقييم متبادل للمنجز الأدبي.

في رسائل جبران إلى مي، والتي نشرتها الباحثة الأستاذة سلمى الحفار الكزبري تحت عنوان (الشعلة الزرقاء)، تتضح رغبة جبران في حفز مي على تجاوز نمط الكتابة المألوف في المشرق لارتياد عوالم تعبيرية ورؤيوية ذات نزعة إنسانية متحررة. وهذه الرغبة ترد صريحة في بعض الرسائل، وتبدو متوارية في الطاقة التصويرية المدهشة التي كشفت عنها ريشته السحرية. نقرأ على سبيل المثال تقييمه لمقالات مي المنشورة بمجلة المقتطف خلال فترة الحرب العالمية الأولى التي فرضت توقف المراسلة بينهما:

 ” إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة اطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب والترتيب، وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة- وعندي أن الاختبار أو الاقتناع النفسي فوق كل علم وكل عمل- وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية. لكن لي سؤال أستأذنك بطرحه لديك وهو هذا : ألا يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة ومخبآتها النبيلة؟ أ فليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر و الشعراء ؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد، ومن دولة إلى دولة، لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبينني شيئا نفسيا ذاتياً، أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فإنك تدلينني على شيء عمومي عقلي ..” (5) إنها دعوة صريحة للكتابة الإبداعية التي تكشف عن المزاج الفني لصاحبه، وتوقظ فيه ما أسماه جبران في رسالة لاحقة بالعنصر الشفاف الذي يفارق عالم المعنى:

” أنت-أنت التي تعيشين في عالم المعنى تعلمين أن العنصر الشفاف فينا يتنحى عن جميع أعمالنا، ويبتعد حتى عن أجمل ميولنا البيانية و أنبل رغائبنا الفنية، فهو وإن جاور الشاعرية فينا لا ينظم ذاته نشيداً غنائياً، ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان ..” (6).

وحين قرأ جبران مقالة مي عن الرسوم المرفقة بروايته (المجنون) حرص على استفزاز ملكاتها التعبيرية وحثها على ارتياد عالم التشكيل بما تملكه من رهافة حس وشعور فني عميق ينفخ الروح في التصاوير وقطع الرخام. وهنا ينكشف سرّ تعلّق مي بجبران، فبخلاف روّاد الصّالون الذين أغرقوها ثناء ومجاملات لا تخلو أحيانا من زيف، تمكّن جبران من الغوص في أعماق نفسها، ووضع يده على مفاتيح حيرتها، فلم يُثن على مواهبها التعبيرية فحسب بل كان يقاسمها في رسائله التالية عشقه للرسم، وانطباعاته عن المعارض التي ارتادها و اللوحات التي هزّت أعماقه وشحذت مخيلته، والفنانين الذين أغنوا بصيرته:

” إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في “المحروسة ” عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة، وبصيرة نقادة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس “(7).

وتضمنت رسالة بتاريخ 17 كانون الثاني 1924 ثلاث بطاقات بريدية تمثل رسوماً بريشة الرسام الفرنسي دي شافان الذي يصفه جبران بأنّه أكبر مصوري القرن التاسع عشر لأنه أبسطهم قلباً، وأبسطهم فكراً، وأبسطهم تعبيراً.

وفي رسالة بتاريخ 6 شباط 1925 يبعث ببطاقة بريدية تمثل القديسة (آن) مرفقة بانطباعات عن القوة السحرية التي تتسرب إلى روحه كلما وقف أمام لوحات دافنشي.

وفي أخرى بتاريخ 28 آذار 1925 يبدي إعجابه بلوحات مانتينغا الشاذّة التي تشبه القصائد الغنائية.

بل ويحرص في إحدى رسائله على تخليد علاقته الفريدة بمي برسم يمثل يدا تحمل شعلة زرقاء!

إن أثر جبران في التجربة الأدبية لمي أبلغ في رأيي من الحفر بين ثنايا السطور عن تصريح بالحب الجسدي أو تلويح بالرغبة المكبوتة، فقد وجدت مي من يستوعب تمردها، ويبدد حيرتها أمام شرق يغالي في فصل المرأة عن النوع الإنسانيّ الذي يحصره في الرجل، كما عبّرت في إحدى سوانحها. كان جبران ابن البلد الذي قاسمها الحنين إلى لبنان، ومسحة الحزن التي تخلفها أجواء الدير وتربية الراهبات، والتوق إلى كل ما هو إنساني خارج الحدود والعوائد والقيود المصطنعة.

وكان جبران أيضا عزاءها الوحيد بعد أن تقدّم بها السن، وانصرف عن مجلسها من كانوا لا يكفون عن بثّ لواعج الشوق والسهاد وامتداح النبوغ الأنثوي في صحراء الذكورة!

وبرحيل جبران رحلت مي !

 نعم، بقي الجسد يكابد الغربة والأسى، ومكائد الأهل وجفاء المقربين بضع سنين، لكن الروح حلقت مع جبران إلى ما وراء الأفق الأزرق، حيث لا تتوقف الأناشيد الغنائية، وحيث الأصوات الربانية تتموج في الغلاف الأثيري حتى نهاية الزمن.

المصادر والمراجع:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-وداد سكاكيني : مي زيادة في حياتها وآثارها. دار المعارف. القاهرة 1969.ص29

2- مي زيادة : ابتسامات ودموع. مؤسسة نوفل .بيروت 1989 . ص 14

3- د.خالد محمد غازي : مي زيادة،سيرة حياتها وأدبها.وكالة الصحافة العربية .مصر 2010 .ص 84

4- سيمون عواد : من أدب مي زيادة.دار عواد للطباعة و النشر .1981 . ص49

5- سلمى الحفار الكزبري ود.سهيل بشروني : الشعلة الزرقاء .مؤسسة نوفل. بيروت 1984.ص32

6- الشعلة الزرقاء : ص 53

7- نفس المرجع :ص 45 .

 

بقلم حميد بن خيبش – أستاذ  تربوي ومفكر وباحث من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *