أناشيد الإثم و البرائة

تم النشر 0 تعليق 33 مشاهدة 2022-08-18 01:13:12 خدمات تصميم

#أناشيد_الإثم_و_البراءة

الجزء الأول:

سناء كانت مجتهدة و نابغة بعيني لأنها تتحصل على النقطة الأولى في اللغتين الإنجليزية و الفرنسية. كنت متفوقا عليها في جميع المواد الأخرى: الرياضيات و الاجتماعيات و الفلسفة و العربية و التربية الإسلامية. و مع ذلك كنت أحس بنفسي تافها مقارنة معها لأنها كانت تستطيع التواصل باللغتين الأجنبيتين.

لم يكن لي مشكل يوما مع المواد العلمية، لكني كنت أحب المواد الأدبية. كنت أعشق الشعر الجاهلي و لازال لدي مجلد ضخم عن الأدب العربي. كنت متفوقا في الاجتماعيات على الجميع، لذلك كان تخصصي في الجامعة. أما الفلسفة فمجنون بها منذ عرفتها، لقد سقطت في غرامها و سأبقى على ما يبدو للأبد.

غير أني كنت أحس بالنقص أمام سناء التي لم يكن أحد ليجاريها في اللغتين الفرنسية و الإنجليزية. هي درست اللغتين بشكل جيد في المستوى الابتدائي في مدرسة خاصة. بينما كنت أنا في التعليم العمومي أصارع لأفهم أسماء بعض الحيوانات و الأشياء كالمنزل و السيارة. و أفعال بسيطة للتعبير عن الدخول و الخروج و الأكل.

لم أطور قليلا مستواي في اللغة الفرنسية إلا بعد حصولي على شهادة الباكالوريا. أما الإنجليزية فلازلت لليوم متعثرا بها تماما. ذلك هو التعليم العمومي.

بينما هي قد درست المستويين الابتدائي و الإعدادي في مؤسسة تعليمية خاصة.

وجهها، من شفتيها لعينيها لشعرها اللين أيضا كان دليلا على كونها لم تكبر بالخبز و الشاي و زيت الزيتون مثلي. ملابسها، ابتسامتها، طريقة كلامها، مشيتها، أدواتها المدرسية، تفاؤلها، طريقة حديثها مع الأساتذة.. هي كلها تبدو كقطعة فنية مقارنة معي. أنا الذي كنت أبدو كيتيم، يشدني الخجل كلما نظرت إليها.

الخجل كان عقدتي من طفولتي، و لازمني كثيرا. لا أعلم إن كان أبناء المحظوظين أيضا يعانون من الخجل، إن كانوا كذلك فأعتقد أن لا مبرر لهم.

أتذكر جيدا كيف كان أصدقائي الذين كانوا يقيمون "بالخيرية" التابعة للثانوية. أتذكر كيف كانوا يخرجون صباحا ثم يدخلون للحي المجاور و بعدها يلتحقون بالثانوية حتى يعتقد باقي التلاميذ أنهم من أبناء ذلك الحي الراقي.

غير أن لعبتهم كانت مكشوفة، إذ كيف يخفون أحديتهم مثلا؟ يقال إن أردت أن تعرف المستوى الاجتماعي لأي إنسان فانظر لحدائه، عموما أعتقد أن الملاحظة على حد كبير من الصواب.

ملابسنا لم تكن لها أسماء معروفة، لم أكن أشتري ملابسي سوى من "الخوردة" و "البال". كانت دوما أمي الحبيبة ترافقني للسوق الأسبوعي لتشتري لي ملابس مستعملة قادمة من إسبانيا عبر مليلية. فقط بمناسبة عيد المولد النبوي كنت أستطيع الحصول على ملابس جديدة لكن من "القيطون". بمعنى ملابس رخيصة موجهة لأبناء الفقراء.

لم أكن أضع مرطبا للشعر و لا معطرا و لا كنت أشتري الأقلام الملونة بغير الأحمر و الأخضر و الأزرق. حتى دفاتري كنت أحملها بيدي. أصلا لم يكن لي سوى دفترين. واحد للعلوم الطبيعية، و الآخر ضخم لجميع المواد الأخرى.

الحديث هنا عن مستوى الأولى بكالوريا حيث بدأت سناء تسكن قلبي الغني، رغم فقر أبي.

كانت دوما تجلس بالمقعد الأمامي في جميع المواد، بينما كنت أنا أختفي وسط الصف جهة الحائط. باستثناء مادة التربية الإسلامية التي كنت متفوقا بها، نظرا لتشددي الديني، و لكون أستاذة المادة عضوة بجماعة العدل و الإحسان، فقربتني منها لاستمالتي شيئا فشيئا للجماعة.

لم أكن أستطيع الصمود أكثر من عشرة دقائق في قاعة الدرس قبل أن أتأمل سناء و هي في المقعد الأمامي مركزة على شرح الأساتذة.

صديقي رشيد الذي كان بدوره متدينا، كان يأمرني بغض بصري لأن ذلك يدخل في إطار زنى العين كما قال. كنت فعلا أعتبرها كذلك، لكني لم أكن أستطيع مقاومة انجدابي لها.

كنت دوما أتساءل: لم تعجبني واحدة هي ليست من حقي أبدا؟

و لازلت لليوم أطرح نفس التساؤل في كثير من الأحيان: لم لا أحب واحدة أبسط مني اجتماعيا و ثقافيا و جماليا؟ لم أنا حقير لهذه الدرجة؟ لم أعذب نفسي مع واحدة ليست في نفس طبقتي الحقيرة؟ لم أحببت مثلا يوما سناء و هي محظوظة و ابنة محظوظة و من طبقة محظوظة غير لعينة مثل طبقتي؟ لماذا ألهث دوما وراء المستحيل بينما في الممكن إناث كثيرات مستعدات لعشقي بجنون و إخلاص الحب لي للأبد؟ لم أنا شرير و لعين لهذه الدرجة؟ أترى لأني مشاغب حتى في الحب؟ أم تراني لا أستطيع العيش سوى في الصراعات الحادة؟

حتى أفكاري الفلسفية و السياسية كانت دوما متطرفة. من التطرف الديني لليساري. دائما أبحث عن الاحتمالات الصعبة.

و حتى على مستوى حياتي المعيشية لم أستطع لليوم الاكتفاء بمدخولي المادي، لازلت في بحث مستمر عن تحسين مستواي المادي. أعتبر لليوم نفسي فقيرا جدا، و حتى أجرتي الشهرية أعتبرها مجرد منحة تساعدني بها الدولة كتعويض عن البطالة.

هناك فعلا أناس كثيرين أحبوا فتيات بسيطات، و اشتغلوا بوظائف بسيطة، و يحلمون بأحلام بسيطة، و لا يفكرون في تغيير المجتمع و لا شيء. هم يعيشون بسيطين بكل بساطة. أحيانا أحسدهم على ذلك، و أتمنى لو كنت مثلهم. لكنت الآن أبا لأكثر من طفل..

سناء كان لها معجبون كثر، تلاميذ محظوظين مثلها يضعون أيضا مساحيق تجميل كانوا يطوفون بها. أولئك الذين لا أعرف بالضبط متى تخلصوا من عقدة الخجل. غير أني أستبعد أصلا كونهم عانوا من ذات المشكل يوما.

غير أنها و لحسن حظي لم تكن مهتمة بأي واحد منهم. لم تصاحب أحدا. كانت تضحك معهم و تقف معهم أحيانا في ساحة الثانوية، لكنها لم تكن بتلك السهولة التي ستستسلم لأي واحد منهم.

الغريب في الأمر أنها و لما أدركت أن عيناي لا تفارقانها في القسم، صارت هي أيضا تبادلني النظرات.

كنت أقول لصديقي:

_رشيد، بلاتي شويا و شوف كيفاش تا هي تاتحنزز فيا

_راك نية و غير حال فمك ا الحمار

_علاش أصاحبي؟

_واش نتا مسطي فراسك، راه بزاف عليك أ الكامبو هي فين ونت فين بيناتكم سنوات ضوئية، غاتكون غر ضارت لهاد الجيهة و نتا حساب لك كتشوف فيك.

_واخا غير شوف و قولي، و لكن بلا عياقة باش ماتردش البال ليك.

ما إن تمر بعض الدقائق عن دخولنا لحجرة الدراسة، حتى أسرح من جديد في مراقبتها. لو كان بإمكاني خطفها بعيناي لفعلت حينها.

فعلا و لما راقب معي رشيد المنظر، شدته صدمة و هو يقول لي:

_والله تا تاتشوف فيك أمسخوط.

_وا صافي شوف قدامك أبوراس بلا فرشة.

استمر الوضع على حاله لشهور، إلى أن قررت كتابة رسالة خطية لها..

يتبع..

توكو لي آرائكم أرجوكم بالتعاليق و كيف بدا السيناريو 


المشاركة تعني الاهتمام، أظهر إعجابك وشارك المنشور مع أصدقائك.


الرجاء تسجيل الدخول للتعليق على هذا المنشور. إذا لم يكن لديك حساب، يرجى التسجيل.

© 2022 جميع حقوق استكتب محفوظة لشركة H2O4ID